فصل: تفسير الآية رقم (7)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير البغوي المسمى بـ «معالم التنزيل» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏58- 60‏]‏

‏{‏وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا ‏(‏58‏)‏ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ‏(‏59‏)‏ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ‏(‏60‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ‏}‏ ذو النعمة ‏{‏لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ‏}‏ يعاقب الكفار ‏{‏بِمَا كَسَبُوا‏}‏ من الذنوب ‏{‏لَعَجَّلَ لَهُمُالْعَذَابَ‏}‏ في الدنيا ‏{‏بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ‏}‏ يعني البعث والحساب ‏{‏لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا‏}‏ ملجأ‏.‏ ‏{‏وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ‏{‏لَمَّا ظَلَمُوا‏}‏ كفروا ‏{‏وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا‏}‏ أي‏:‏ أجلا قرأ أبو بكر ‏"‏ لمهلكهم ‏"‏ بفتح الميم واللام، وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام، وكذلك في النمل ‏"‏مهلك‏"‏ أي لوقت هلاكهم وقرأ الآخرون بضم الميم وفتح اللام أي‏:‏ لإهلاكهم‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ‏}‏ عامة أهل العلم قالوا‏:‏ إنه موسى بن عمران‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هو موسى بن ميشا من أولاد يوسف والأول أصح‏.‏

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار أخبرني سعيد بن جبير قال‏:‏ قلت لابن عباس‏:‏ إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل فقال ابن عباس‏:‏ كذب عدو الله حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم‏؟‏ فقال‏:‏ أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى‏:‏ يا رب فكيف لي به‏؟‏ قال‏:‏ تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيث ما فقدت الحوت فهو ثم‏.‏ فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سربا وأمسك الله تعالى عن الحوت جرية المار فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه‏:‏ آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال‏:‏ ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به وقال له فتاه‏:‏ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال‏:‏ فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا وقال موسى‏:‏ ذلك ما كنا نبغ قال‏:‏ رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجي بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر عليه السلام‏:‏ وأنى بأرضك السلام، فقال‏:‏ أنا موسى قال‏:‏ موسى بنى إسرائيل‏؟‏ قال‏:‏ نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا، قال‏:‏ إنك لن تستطيع معي صبرا يا موسى، إني على علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه فقال موسى‏:‏ ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا، فقال له الخضر‏:‏ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يضح إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى‏:‏ قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها‏؟‏ لقد جئت شيئا إمرا‏!‏ قال‏:‏ ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا‏؟‏ قال‏:‏ لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا، قال‏:‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏كانت الأولى من موسى نسيانا والوسطى شرطا والثالثة عمدا‏"‏ قال‏:‏ وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر‏:‏ ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله فقال له موسى‏:‏ أقتلت نفسا زكية بغير نفس‏؟‏ لقد جئت شيئا نكرا، قال‏:‏ ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا‏؟‏ قال‏:‏ وهذه أشد من الأولى قال‏:‏ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه، قال‏:‏ كان مائلا فقال الخضر بيده فأقامه، فقال موسى‏:‏ قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال‏:‏ ‏"‏هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا‏"‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما‏"‏‏.‏

قال سعيد بن جبير‏:‏ فكان ابن عباس يقرأ‏:‏ ‏"‏وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا‏"‏، وكان يقرأ‏:‏ ‏"‏وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين‏"‏‏.‏

وعن سعيد بن جبير في رواية أخرى عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ قام موسى رسول الله فذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى فأدركه رجل فقال‏:‏ أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك‏؟‏ قال‏:‏ لا- فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله- قيل‏:‏ بلى عبدنا الخضر قال‏:‏ يا رب وأين‏؟‏ قال‏:‏ بمجمع البحرين قال‏:‏ رب اجعل لي علما أعلم بك منه قال‏:‏ فخذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح وفي رواية قيل له‏:‏ تزود حوتا مالحا فإنه حيث تفقد الحوت فأخذ حوتا فجعله في مكتل‏"‏‏.‏

رجعنا إلى التفسير؛ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ‏}‏ يوشع بن نون ‏{‏لا أَبْرَحُ‏}‏ أي لا أزال أسير ‏{‏حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ‏}‏ قال قتادة‏:‏ بحر فارس وبحر الروم مما يلي المشرق‏.‏ وقال محمد بن كعب طنجة‏.‏ وقال أبي بن كعب‏:‏ أفريقية‏.‏

‏{‏أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا‏}‏ وإن كان حقبا أي دهرا طويلا وزمانا، وجمعه أحقاب، والحقب‏:‏ جمع الحقب‏.‏ قال عبد الله بن عمر‏:‏ والحقب ثمانون سنة فحملا خبزا وسمكة مالحة حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين ليلا وعندها عين تسمى ماء الحياة لا يصيب ذلك الماء شيئا إلا حي فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطربت في المكتل وعاشت ودخلت البحر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏61- 62‏]‏

‏{‏فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ‏(‏61‏)‏ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ‏(‏62‏)‏‏}‏‏.‏

فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا بَلَغَا‏}‏ يعني موسى وفتاه ‏{‏مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا‏}‏ أي‏:‏ بين الفريقين ‏{‏نَسِيَا‏}‏ تركا ‏{‏حُوتَهُمَا‏}‏ وإنما كان الحوت مع يوشع وهو الذي نسيه وأضاف النسيان إليهما لأنهما جميعا تزوداه لسفرهما كما يقال‏:‏ خرج القوم إلى موضع كذا وحملوا من الزاد كذا وإنما حمله واحد منهم‏.‏

‏{‏فَاتَّخَذَ‏}‏ أي الحوت ‏{‏سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا‏}‏ أي مسلكا‏.‏ وروي عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏انجاب الماء عن مسلك الحوت فصار كوة لم يلتئم فدخل موسى الكوة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر‏"‏‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ جعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى صار صخرة‏.‏

وقال الكلبي‏:‏ توضأ يوشع بن نون من عين الحياة فانتضح على الحوت المالح في المكتل من ذلك الماء فعاش ثم وثب في ذلك الماء فجعل يضرب بذنبه فلا يضرب بذنبه شيئا من الماء وهو ذاهب إلا يبس‏.‏

وقد روينا أنهما لما انتهيا إلى الصخرة وضعا رءوسهما فناما واضطرب الحوت فخرج وسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا فأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى نسي صاحبه أن يخبره فانطلقا حتى إذا كان من الغد‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاوَزَا‏}‏ يعني ذلك الموضع وهو مجمع البحرين ‏{‏قَالَ‏}‏ موسى ‏{‏لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا‏}‏ أي طعامنا والغداء ما يعد للأكل غدوة والعشاء ما يعد للأكل عشية ‏{‏لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا‏}‏ أي‏:‏ تعبا وشدة وذلك أنه ألقي على موسى الجوع بعد مجاوزة الصخرة ليتذكر الحوت ويرجع إلى مطلبه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏63- 64‏]‏

‏{‏قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ‏(‏63‏)‏ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ‏(‏64‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏قَالَ‏}‏ له فتاه وتذكر ‏{‏أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ‏}‏ وهي صخرة كانت بالموضع الموعود قال معقل بن زياد‏:‏ هي الصخرة التي دون نهر الزيت ‏{‏فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ‏}‏ أي تركته وفقدته وذلك أن يوشع حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى فيخبره فنسي أن يخبره فمكثا يومهما حتى صليا الظهر من الغد‏.‏

قيل في الآية إضمار معناه‏:‏ نسيت أن أذكر لك أمر الحوت ثم قال‏:‏

‏{‏وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ‏}‏ أي‏:‏ وما أنسانيه أن أذكر لك أمر الحوت إلا الشيطان وقرأ حفص‏:‏ ‏{‏أَنْسَانِيهُ‏}‏ وفي الفتح‏:‏ ‏{‏عَلَيْهُ اللَّهَ‏}‏ بضم الهاء‏.‏

وقيل معناه أنسانيه لئلا أذكره‏.‏

‏{‏وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا‏}‏ قيل‏:‏ هذا من قول يوشع، ويقول‏:‏ طفر الحوت إلى البحر فاتخذ فيه مسلكا فعجبت من ذلك عجبا‏.‏

وروينا في الخبر‏:‏ كان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا‏.‏

وقيل‏:‏ هذا من قول موسى لما قال له يوشع واتخذ سبيله في البحر قال له موسى‏:‏ عجبا كأنه قال‏:‏ أعجب عجبا‏.‏

قال ابن زيد‏:‏ أي شيء أعجب من حوت يؤكل منه جهرا ثم صار حيا بعدما أكل بعضه‏؟‏‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ موسى ‏{‏ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ‏}‏ أي نطلب ‏{‏فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا‏}‏ أي‏:‏ رجعا يقصان الأثر الذي جاء منه أي‏:‏ يتبعانه فوجدا عبدا من عبادنا قيل‏:‏ كان ملكا من الملائكة، والصحيح الذي جاء في التواريخ وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه الخضر واسمه بليا بن ملكان قيل‏:‏ كان من نسل بني إسرائيل‏.‏ وقيل‏:‏ كان من أبناء الملوك الذين تزهدوا في الدنيا والخضر لقب له سمي بذلك لما‏:‏

أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان حدثنا أحمد بن يوسف السلمي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال حدثنا أبو هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنما سمي خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضرا‏"‏‏.‏

قال مجاهد‏:‏ سمي خضرا لأنه إذا صلى اخضر ما حوله‏.‏

وروينا‏:‏ أن موسى رأى الخضر مسجى بثوب فسلم عليه فقال الخضر‏:‏ وأنى بأرضك السلام‏؟‏ قال‏:‏ أنا موسى أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا‏.‏

وفي رواية أخرى لقيه مسجى بثوب مستلقيا على قفاه بعض الثوب تحت رأسه وبعضه تحت رجليه‏.‏ وفي رواية لقيه وهو يصلي‏.‏ ويروى لقيه على طنفسة خضراء على كبد البحر فلذلك قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏65‏]‏

‏{‏فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ‏(‏65‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً‏}‏ أي نعمة ‏{‏مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا‏}‏ أي‏:‏ علم الباطن إلهاما ولم يكن الخضر نبيا عند أكثر أهل العلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏66- 71‏]‏

‏{‏قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ‏(‏66‏)‏ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏67‏)‏ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ‏(‏68‏)‏ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ‏(‏69‏)‏ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ‏(‏70‏)‏ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ‏(‏71‏)‏‏}‏‏.‏

فلما ‏{‏قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ‏}‏ يقول‏:‏ جئتك لأتبعك وأصحبك ‏{‏عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا‏}‏ قرأ أبو عمرو ويعقوب‏:‏ ‏"‏ رشدا ‏"‏ بفتح الراء والشين وقرأ الآخرون‏:‏ بضم الراء وسكون الشين أي صوابا وقيل‏:‏ علما ترشدني به‏.‏

وفي بعض الأخبار أنه لما قال له موسى هذا قال له الخضر‏:‏ كفى بالتوراة علما وببني إسرائيل شغلا فقال له موسى‏:‏ إن الله أمرني بهذا فحينئذ‏:‏ ‏{‏قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا‏}‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ له الخضر ‏{‏إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا‏}‏ وإنما قال ذلك لأنه علم أنه يرى أمورا منكرة ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على المنكرات‏.‏ ثم بين عذره في ترك الصبر فقال‏:‏ ‏{‏وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا‏}‏ أي علما‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ موسى ‏{‏سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا‏}‏ إنما استثنى لأنه لم يثق من نفسه بالصبر ‏{‏وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا‏}‏ أي‏:‏ لا أخالفك فيما تأمر‏.‏ ‏{‏قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي‏}‏ فإن صحبتني ولم يقل‏:‏ اتبعني ولكن جعل الاختيار إليه إلا أنه شرط عليه شرطا فقال‏:‏ ‏{‏فَلا تَسْأَلْنِي‏}‏ قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر بفتح اللام وتشديد النون والآخرون بسكون اللام وتخفيف النون ‏{‏عَنْ شَيْءٍ‏}‏ أعمله مما تنكره ولا تعترض عليه ‏{‏حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا‏}‏ حتى ابتدئ لك بذكره فأبين لك شأنه‏.‏ ‏{‏فَانْطَلَقَا‏}‏ يمشيان على الساحل يطلبان سفينة يركبانها فوجدا سفينة فركباها فقال أهل السفينة‏:‏ هؤلاء لصوص وأمروهما بالخروج فقال صاحب السفينة‏:‏ ما هم بلصوص ولكني أرجو وجوه الأنبياء‏.‏

وروينا عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول فلما لججوا البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من السفينة‏"‏ فذلك قوله تعالى‏:‏

‏{‏حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ‏}‏ له موسى ‏{‏أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا‏}‏ قرأ حمزة والكسائي‏:‏ ‏"‏ليغرق‏"‏ بالياء وفتحها وفتح الراء ‏"‏ أهلها ‏"‏ بالرفع على اللزوم وقرأ الآخرون‏:‏ بالتاء ورفعها وكسر الراء ‏{‏أَهْلَهَا‏}‏ بالنصب على أن الفعل للخضر‏.‏

‏{‏لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا‏}‏ أي‏:‏ منكرا والإمر في كلام العرب الداهية وأصله‏:‏ كل شيء شديد كثير يقال‏:‏ أمر القوم‏:‏ إذا كثروا واشتد أمرهم‏.‏

وقال القتيبي ‏{‏إِمْرًا‏}‏ أي‏:‏ عجبا‏.‏

وروي أن الخضر لما خرق السفينة لم يدخلها الماء‏.‏ وروي أن موسى لما رأى ذلك أخذ ثوبه فحشى به الخرق‏.‏ وروي أن الخضر أخذ قدحا من الزجاج ورقع به خرق السفينة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏72- 74‏]‏

‏{‏قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏72‏)‏ قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ‏(‏73‏)‏ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ‏(‏74‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏قَالَ‏}‏ العالم وهو الخضر ‏{‏أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا‏}‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ موسى ‏{‏لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ إنه لم ينس ولكنه من معاريض الكلام فكأنه نسي شيئا آخر وقيل‏:‏ معناه بما تركت من عهدك والنسيان‏:‏ الترك‏.‏ وقال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏كانت الأولى من موسى نسيانا والوسطى شرطا والثالثة عمدا‏"‏‏.‏ ‏{‏وَلا تُرْهِقْنِي‏}‏ ولا تغشني ‏{‏مِنْ أَمْرِي عُسْرًا‏}‏ وقيل‏:‏ لا تكلفني مشقة يقال‏:‏ أرهقته عسرا أي‏:‏ كلفته ذلك يقول‏:‏ لا تضيق علي أمري وعاملني باليسر ولا تعاملني بالعسر‏.‏ ‏{‏فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ‏}‏ في القصة أنهما خرجا من البحر يمشيان فمرا بغلمان يلعبون فأخذ الخضر غلاما ظريفا وضيء الوجه فأضجعه ثم ذبحه بالسكين‏.‏

قال السدي‏:‏ كان أحسنهم وجها وكان وجهه يتوقد حسنا‏.‏

وروينا أنه أخذ برأسه فاقتلعه بيده وروى عبد الرزاق هذا الخبر وأشار بأصابعه الثلاث الإبهام والسبابة والوسطى وقلع برأسه‏.‏

وروي أنه رضخ رأسه بالحجارة‏.‏

وقيل‏:‏ ضرب رأسه بالجدار فقتله‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ كان غلاما لم يبلغ الحنث وهو قول الأكثرين قال ابن عباس‏:‏ لم يكن نبي الله يقول‏:‏ أقتلت نفسا زكية إلا وهو صبي لم يبلغ‏.‏

وقال الحسن‏:‏ كان رجلا وقال شعيب الجبائي‏:‏ كان اسمه حيسور‏.‏

وقال الكلبي‏:‏ كان فتى يقطع ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ كان غلاما يعمل بالفساد وتأذى منه أبواه‏.‏

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أخبرنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج أنبأنا عبد الله بن مسلمة بن معتب حدثنا معمر بن سليمان عن أبيه عن رقية بن مصقلة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا‏"‏‏.‏

‏{‏قَالَ‏}‏ موسى ‏{‏أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً‏}‏ قرأ ابن كثير ونافع وأبو جعفر وأبو عمرو‏:‏ ‏"‏‏"‏زاكية‏"‏ بالألف وقرأ الآخرون‏:‏ ‏"‏زكية‏"‏ قال الكسائي والفراء‏:‏ معناهما واحد مثل‏:‏ القاسية والقسية وقال أبو عمرو بن العلاء‏:‏ ‏"‏الزاكية‏"‏‏:‏ التي لم تذنب قط و‏"‏الزكية‏"‏‏:‏ التي أذنبت ثم تابت‏.‏

‏{‏بِغَيْرِ نَفْسٍ‏}‏ أي‏:‏ لم تقتل نفسا بشيء وجب به عليها القتل‏.‏

‏{‏لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا‏}‏ أي‏:‏ منكرا قال قتادة‏:‏ النكر أعظم من الإمر لأنه حقيقة الهلاك وفي خرق السفينة كان خوف الهلاك‏.‏

وقيل‏:‏ الإمر أعظم لأنه كان فيه تغريق جمع كثير‏.‏

قرأ نافع وابن عامر ويعقوب وأبو بكر هاهنا‏:‏ ‏{‏نُكْرًا‏}‏ وفي سورة الطلاق بضم الكاف والآخرون بسكونها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏75- 77‏]‏

‏{‏قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏75‏)‏ قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ‏(‏76‏)‏ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ‏(‏77‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏قَالَ‏}‏ يعني الخضر‏:‏ ‏{‏أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا‏}‏ قيل‏:‏ زاد ‏"‏لك‏"‏ لأنه نقض العهد مرتين وفي القصة أن يوشع كان يقول لموسى‏:‏ يا نبي الله اذكر العهد الذي أنت عليه‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ موسى ‏{‏إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا‏}‏ بعد هذه المرة ‏{‏فَلا تُصَاحِبْنِي‏}‏ وفارقني وقرأ يعقوب‏:‏ ‏"‏ فلا تصحبني ‏"‏ بغير ألف من الصحبة‏.‏

‏{‏قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا‏}‏ قرأ أبو جعفر ونافع وأبو بكر ‏"‏ من لدني ‏"‏ خفيفة النون وقرأ الآخرون بتشديدها قال ابن عباس‏:‏ أي قد أعذرت فيما بيني وبينك‏.‏

وقيل‏:‏ حذرتني أني لا أستطيع معك صبرا‏.‏ وقيل‏:‏ اتضح لك العذر في مفارقتي‏.‏

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبأنا عبد الغافر بن محمد أنبأنا محمد بن عيسى حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا محمد بن عبد الله القيسي حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن رقية عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏رحمة الله علينا وعلى موسى‏"‏ وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه ‏"‏لولا أنه عجل لرأى العجب ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة قال‏:‏ ‏{‏إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا‏}‏ فلو صبر لرأى العجب‏"‏‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني‏:‏ ‏"‏أنطاكية‏"‏ وقال ابن سيرين‏:‏ هي ‏"‏الأبلة‏"‏ وهي أبعد الأرض من السماء وقيل‏:‏ ‏"‏برقة‏"‏‏.‏ وعن أبي هريرة‏:‏ بلدة بالأندلس ‏{‏اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا‏}‏‏.‏

قال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما فطافا في المجالس فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما‏"‏‏.‏

وروي أنهما طافا في القرية فاستطعماهم فلم يطعموهما واستضافوهم فلم يضيفموهما‏.‏

قال قتادة‏:‏ شر القرى التي لا تضيف الضيف‏.‏

وروي عن أبي هريرة قال‏:‏ أطعمتهما امرأة من أهل بربر بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما فدعا لنسائهم ولعن رجالهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ‏}‏ أي يسقط وهذا من مجاز كلام العرب لأن الجدار لا إرادة له وإنما معناه‏:‏ قرب ودنا من السقوط كما تقول العرب‏:‏ داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها‏.‏

‏{‏فَأَقَامَهُ‏}‏ أي سواه وروي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال الخضر بيده فأقامه‏.‏

وقال سعيد بن جبير‏:‏ مسح الجدار بيده فاستقام وروي عن ابن عباس‏:‏ هدمه ثم قعد يبنيه وقال السدي‏:‏ بل طينا وجعل يبني الحائط‏.‏

‏{‏قَالَ‏}‏ موسى ‏{‏لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا‏}‏ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب‏:‏ ‏"‏لتخذت‏"‏ بتخفيف التاء وكسر الخاء وقرأ الآخرون‏:‏ ‏"‏لتخذت‏"‏ بتشديد التاء وفتح الخاء وهما لغتان مثل اتبع وتبع ‏{‏عَلَيْهِ‏}‏ يعني على إصلاح الجدار ‏{‏أَجْرًا‏}‏ يعني جعلا معناه‏:‏ إنك قد علمت أننا جياع وأن أهل القرية لم يطعمونا فلو أخذت على عملك أجرا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏78‏]‏

‏{‏قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ‏(‏78‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏قَالَ‏}‏ الخضر‏:‏ ‏{‏هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ‏}‏ يعني هذا وقت فراق بيني وبينك وقيل‏:‏ هذا الإنكار على ترك الأجر هو المفرق بيننا‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ معناه هذا فراق بيننا أي فراق اتصالنا وكرر ‏"‏بين‏"‏ تأكيدا‏.‏

‏{‏سَأُنَبِّئُكَ‏}‏ أي سوف أخبرك ‏{‏بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا‏}‏ وفي بعض التفاسير أن موسى أخذ بثوبه فقال‏:‏ أخبرني بمعنى ما عملت قبل أن تفارقني فقال‏:‏ ‏{‏أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏79- 80‏]‏

‏{‏أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ‏(‏79‏)‏ وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ‏(‏80‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ‏}‏ قال كعب‏:‏ كانت لعشرة إخوة خمسة زمنى وخمسة يعملون في البحر وفيه دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذا لم يقم ما يملك بكفايته ‏{‏يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ‏}‏ أي‏:‏ يؤاجرون ويكتسبون بها ‏{‏فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا‏}‏ أجعلها ذات عيب‏.‏

‏{‏وَكَانَ وَرَاءَهُمْ‏}‏ أي أمامهم ‏{‏مَلِكٌ‏}‏ كقوله‏:‏ ‏"‏من ورائه جهنم‏"‏ ‏(‏إبراهيم- 16‏)‏‏.‏

وقيل‏:‏ ‏"‏وراءهم‏"‏ خلفهم وكان رجوعهم في طريقهم عليه والأول أصح يدل عليه قراءة ابن عباس ‏"‏وكان أمامهم ملك‏"‏‏.‏

‏{‏يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا‏}‏ أي‏:‏ كل سفينة صالحة غصبا وكان ابن عباس يقرأ كذلك فخرقها وعيبها الخضر حتى لا يأخذها الملك الغاصب وكان اسمه الجلندي وكان كافرا‏.‏

قال محمد بن إسحاق‏:‏ اسمه ‏"‏متوله بن جلندي الأزدي‏"‏‏.‏

وقال شعيب الجبائي‏:‏ اسمه ‏"‏هدد بن بدد‏"‏‏.‏

وروي أن الخضر اعتذر إلى القوم وذكر لهم شأن الملك الغاصب ولم يكونوا يعلمون بخبره وقال‏:‏ أردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزه أصلحوها فانتفعوا بها قيل‏:‏ سدوها بقارورة وقيل‏:‏ بالقار‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا‏}‏ أي فعلمنا وفي قراءة ابن عباس‏:‏ ‏"‏وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين فخشينا‏"‏ أي‏:‏ فعلمنا ‏{‏أَنْ يُرْهِقَهُمَا‏}‏ يغشيهما وقال الكلبي‏:‏ يكلفهما ‏{‏طُغْيَانًا وَكُفْرًا‏}‏ قال سعيد بن جبير‏:‏ فخشينا أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏81- 82‏]‏

‏{‏فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ‏(‏81‏)‏ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ‏(‏82‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا‏}‏ قرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو‏:‏ بالتشديد هاهنا وفي سورة ‏"‏التحريم‏"‏ و ‏"‏القلم‏"‏ وقرأ الآخرون بالتخفيف وهما لغتان وفرق بعضهم فقال‏:‏ ‏"‏التبديل‏"‏‏:‏ تغيير الشيء أو تغيير حاله وعين الشيء قائم و‏"‏الإبدال‏"‏‏:‏ رفع الشيء ووضع شيء آخر مكانه ‏{‏رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً‏}‏ أي صلاحا وتقوى ‏{‏وَأَقْرَبَ رُحْمًا‏}‏ قرأ ابن عامر وأبو جعفر ويعقوب‏:‏ بضم الحاء والباقون بجزمها أي‏:‏ عطفا من الرحمة‏.‏ وقيل‏:‏ هو من الرحم والقرابة قال قتادة‏:‏ أي أوصل للرحم وأبر بوالديه‏.‏

قال الكلبي‏:‏ أبدلهما الله جارية فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له نبيا فهدى الله على يديه أمة من الأمم‏.‏

وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال‏:‏ أبدلهما الله جارية ولدت سبعين نبيا‏.‏

وقال ابن جريج‏:‏ أبدلهما بغلام‏.‏

قال مطرف‏:‏ فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل‏.‏ ولو بقي لكان فيه هلاكهما فليرض امرؤ بقضاء الله تعالى فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ‏}‏ وكان اسمهما أصرم وصريم ‏{‏وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا‏}‏ اختلفوا في ذلك الكنز روي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏كان ذهبا وفضة‏"‏‏.‏

وقال عكرمة‏:‏ كان مالا‏.‏

وعن سعيد بن جبير‏:‏ كان الكنز صحفا فيها علم‏.‏

وعن ابن عباس‏:‏ أنه قال كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه‏:‏ ‏"‏عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح‏!‏ عجبا لمن أيقن بالحساب كيف يغفل‏!‏ عجبا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب‏!‏ عجبا لمن أيقن بالقدر كيف ينصب‏!‏ عجبا لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها‏!‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله‏"‏‏.‏ وفي الجانب الآخر مكتوب‏:‏ ‏"‏أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه‏"‏ وهذا قول أكثر المفسرين وروي ذلك مرفوعا‏.‏

قال الزجاج‏:‏ الكنز إذا أطلق ينصرف إلى كنز المال، ويجوز عند التقييد أن يقال عنده كنز علم، وهذا اللوح كان جامعا لهما‏.‏

‏{‏وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا‏}‏ قيل‏:‏ كان اسمه ‏"‏كاسح‏"‏ وكان من الأتقياء‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ حفظا بصلاح أبويهما‏.‏

وقيل‏:‏ كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء‏.‏

قال محمد بن المنكدر‏:‏ إن الله يحفظ بصلاح العبد ولده وولد ولده وعترته وعشيرته وأهل دويرات حوله فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم‏.‏

قال سعيد بن المسيب‏:‏ إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا‏}‏ أي‏:‏ يبلغا ويعقلا‏.‏ وقيل‏:‏ أن يدركا شدتهما وقوتهما‏.‏ وقيل‏:‏ ثمان عشرة سنة‏.‏

‏{‏وَيَسْتَخْرِجَا‏}‏ حينئذ ‏{‏كَنْزَهُمَا رَحْمَةً‏}‏ نعمة ‏{‏مِنْ رَبِّكَ‏}‏‏.‏

‏{‏وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي‏}‏ أي باختياري ورأيي بل فعلته بأمر الله وإلهامه ‏{‏ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا‏}‏ أي لم تطق عليه صبرا و‏"‏استطاع‏"‏ و‏"‏اسطاع‏"‏ بمعنى واحد‏.‏

روي أن موسى لما أراد أن يفارقه قال له‏:‏ أوصني، قال‏:‏ لا تطلب العلم لتحدث به واطلبه لتعمل به‏.‏

واختلفوا في أن الخضر حي أم ميت‏؟‏ قيل‏:‏ إن الخضر وإلياس حيان يلتقيان كل سنة بالموسم‏.‏ وكان سبب حياته فيما يحكى أنه شرب من عين الحياة وذلك أن ذا القرنين دخل الظلمات لطلب عين الحياة‏.‏ وكان الخضر على مقدمته فوقع الخضر على العين فنزل واغتسل وتوضأ وشرب وصلى شكرا لله عز وجل وأخطأ ذو القرنين الطريق فعاد‏.‏

وذهب آخرون إلى أنه ميت لقوله تعالى‏:‏ ‏"‏وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد‏"‏ ‏(‏الأنبياء- 34‏)‏‏.‏

وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما صلى العشاء ليلة‏:‏ ‏"‏أرأيتكم ليلتكم هذه‏؟‏ فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم حي على ظهر الأرض أحد‏"‏‏.‏ ولو كان الخضر حيا لكان لا يعيش بعده‏"‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏83‏]‏

‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ‏(‏83‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا‏}‏ خبرا واختلفوا في نبوته‏:‏ فقال بعضهم‏:‏ كان نبيا‏.‏

وقال أبو الطفيل‏:‏ سئل علي رضي الله عنه عن ذي القرنين أكان نبيا أم ملكا‏؟‏ قال‏:‏ لم يكن نبيا ولا ملكا ولكن كان عبدا أحب الله وأحبه الله، ناصح الله فناصحه الله‏.‏

وروي أن عمر رضي الله عنه سمع رجلا يقول لآخر‏:‏ يا ذا القرنين فقال‏:‏ تسميتم بأسماء النبيين فلم ترضوا حتى تسميتم بأسماء الملائكة‏.‏

والأكثرون على أنه كان ملكا عادلا صالحا‏.‏

واختلفوا في سبب تسميته بـ ‏"‏ذي القرنين‏"‏ قال الزهري‏:‏ لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها‏.‏

وقيل‏:‏ لأنه ملك الروم وفارس‏.‏

وقيل‏:‏ لأنه دخل النور والظلمة‏.‏

وقيل‏:‏ لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشمس‏.‏

وقيل‏:‏ لأنه كانت له ذؤابتان حسنتان‏.‏

وقيل‏:‏ لأنه كان له قرنان تواريهما العمامة‏.‏

وروى أبو الطفيل عن علي أنه قال سمي ‏"‏ذا القرنين‏"‏ لأنه أمر قومه بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيمن فمات فبعثه الله، ثم أمرهم بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيسر فمات، فأحياه الله‏.‏

واختلفوا في اسمه قيل‏:‏ اسمه ‏"‏مرزبان بن مرزبة اليوناني‏"‏ من ولد يونان بن يافث بن نوح‏.‏ وقيل‏:‏ اسمه ‏"‏الإسكندر بن فيلفوس بن ياملوس الرومي‏"‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏84‏]‏

‏{‏إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ‏(‏84‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرْضِ‏}‏ أوطأنا، والتمكين‏:‏ تمهيد الأسباب‏.‏ قال علي‏:‏ سخر له السحاب فحمله عليها، ومد له في الأسباب، وبسط له النور، فكان الليل والنهار عليه سواء، فهذا معنى تمكينه في الأرض وهو أنه سهل عليه السير فيها وذلل له طرقها‏.‏

‏{‏وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ أي‏:‏ أعطيناه من كل شيء يحتاج إليه الخلق‏.‏

وقيل‏:‏ من كل ما يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء‏.‏

‏{‏سَبَبًا‏}‏ أي‏:‏ علما يتسبب به إلى كل ما يريد ويسير به في أقطار الأرض، والسبب‏:‏ ما يوصل الشيء إلى الشيء‏.‏

وقال الحسن‏:‏ بلاغا إلى حيث أراد‏.‏ وقيل‏:‏ قربنا إليه أقطار الأرض‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏85- 86‏]‏

‏{‏فَأَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏85‏)‏ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ‏(‏86‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏فَأَتْبَعَ سَبَبًا‏}‏ أي‏:‏ سلك وسار، قرأ أهل الحجاز، والبصرة‏:‏ ‏"‏فاتبع‏"‏ و‏"‏ثم اتبع‏"‏ موصولا مشددا، وقرأ الآخرون بقطع الألف وجزم التاء، وقيل‏:‏ معناهما واحد‏.‏

والصحيح‏:‏ الفرق بينهما، فمن قطع الألف فمعناه‏:‏ أدرك ولحق، ومن قرأ بالتشديد فمعناه‏:‏ سار، يقال‏:‏ ما زلت أتبعه حتى أَتْبَعْتُه، أي‏:‏ ما زلت أسير خلفه حتى لحقته‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏سببا‏"‏ أي‏:‏ طريقا‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ منزلا‏.‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ‏}‏ قرأ أبو جعفر وأبو عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر‏:‏ ‏"‏ حامية ‏"‏ بالألف غير مهموزة، أي‏:‏ حارة، وقرأ الآخرون‏:‏ ‏{‏حَمِئَةٍ‏}‏ مهموزا بغير الألف، أي‏:‏ ذات حماة، وهي الطينة السوداء‏.‏

وسأل معاوية كعبا‏:‏ كيف تجد في التوراة أن تغرب الشمس‏؟‏ قال‏:‏ نجد في التوراة أنها تغرب في ماء وطين‏.‏

قال القتيبي‏:‏ يجوز أن يكون معنى قوله‏:‏ ‏{‏فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ‏}‏ أي‏:‏ عندها عين حمئة، أو في رأي العين‏.‏

‏{‏وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا‏}‏ أي‏:‏ عند العين أمة، قال ابن جريج‏:‏ مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا ضجيج أهلها لسمعت وجبة الشمس حين تجب‏.‏

‏{‏قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ‏}‏ يستدل بهذا من زعم أنه كان نبيا فإن الله تعالى خاطبه والأصح‏:‏ أنه لم يكن نبيا، والمراد منه‏:‏ الإلهام‏.‏

‏{‏إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ‏}‏ يعني‏:‏ إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام ‏{‏وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا‏}‏ يعني‏:‏ تعفو وتصفح وقيل‏:‏ تأسرهم فتعلمهم الهدى‏.‏ خيره الله بين الأمرين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏87- 90‏]‏

‏{‏قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ‏(‏87‏)‏ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ‏(‏88‏)‏ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏89‏)‏ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ‏(‏90‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ‏}‏ أي‏:‏ كفر ‏{‏فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ‏}‏ أي‏:‏ نقتله ‏{‏ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ‏}‏ في الآخرة ‏{‏فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا‏}‏ أي‏:‏ منكرا يعني‏:‏ بالنار، والنار أنكر من القتل‏.‏ ‏{‏وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى‏}‏ قرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب‏:‏ ‏{‏جَزَاءً‏}‏ منصوبا منونا أي‏:‏ فله الحسنى ‏"‏ جزاء ‏"‏ نصب على المصدر وهو مصدر وقع موقع الحال، أي‏:‏ فله الحسنى مجزيا بها‏.‏

وقرأ الآخرون‏:‏ بالرفع على الإضافة، فالحسنى‏:‏ الجنة أضاف الجزاء إليها كما قال‏:‏ ‏"‏ولدار الآخرة خير‏"‏ يوسف- 9‏)‏، والدار هي الآخرة‏.‏

وقيل‏:‏ المراد بـ ‏"‏الحسنى‏"‏ على هذه القراءة‏:‏ الأعمال الصالحة‏.‏ أي له جزاء الأعمال الصالحة‏.‏

‏{‏وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا‏}‏ أي‏:‏ نلين له القول ونعامله باليسر من أمرنا‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏"‏يسرا‏"‏ أي‏:‏ معروفا‏.‏ ‏{‏ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا‏}‏ أي‏:‏ سلك طرقا ومنازل‏.‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ‏}‏ أي موضع طلوعها ‏{‏وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا‏}‏ قال قتادة والحسن‏:‏ لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء فكانوا يكونون في أسراب لهم حتى إذا زالت الشمس عنهم خرجوا إلى معايشهم وحروثهم‏.‏

وقال الحسن‏:‏ كانوا إذا طلعت الشمس يدخلون الماء فإذا ارتفعت عنهم خرجوا يتراعون كالبهائم‏.‏

وقال الكلبي‏:‏ هم قوم عراة يفترش أحدهم إحدى أذنيه، ويلتحف بالأخرى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏91- 94‏]‏

‏{‏كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ‏(‏91‏)‏ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏92‏)‏ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا ‏(‏93‏)‏ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ‏(‏94‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ‏}‏ قيل‏:‏ معناه كما بلغ مغرب الشمس كذلك بلغ مطلعها والصحيح أن معناه‏:‏ كما حكم في القوم الذين هم عند مغرب الشمس كذلك حكم في الذين هم عند مطلع الشمس ‏{‏وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا‏}‏ يعني‏:‏ بما عنده ومعه من الجند والعدة والآلات ‏"‏خبرا‏"‏ أي‏:‏ علما‏.‏ ‏{‏ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا‏}‏‏.‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ‏}‏ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص‏:‏ ‏{‏السَّدَّيْنِ‏}‏ و ‏"‏ سدا ‏"‏ هاهنا بفتح السين وافق حمزة والكسائي في ‏"‏سدا‏"‏ وقرأ الآخرون‏:‏ بضم السين وفي يس ‏"‏سدا‏"‏ بالفتح حمزة والكسائي وحفص وقرأ الباقون بالضم منهم من قال‏:‏ هما لغتان معناهما واحد‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ ما كان من صنعة بني آدم فهو السد بالفتح وما كان من صنع الله فهو سد بالضم وقاله أبو عمرو‏.‏ وقيل‏:‏ ‏"‏السد‏"‏‏:‏ بالفتح مصدر وبالضم اسم وهما هاهنا‏:‏ جبلان سد ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم‏.‏ ‏{‏وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا‏}‏ يعني‏:‏ أمام السدين‏.‏ ‏{‏لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا‏}‏ قرأ حمزة والكسائي‏:‏ ‏"‏يفقهون‏"‏ بضم الياء وكسر القاف على معنى لا يفقهون غيرهم قولا وقرأ الآخرون‏:‏ بفتح الياء والقاف أي لا يفقهون كلام غيرهم قال ابن عباس‏:‏ لا يفقهون كلام أحد ولا يفهم الناس كلامهم‏.‏ ‏{‏قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ‏}‏ فإن قيل‏:‏ كيف قالوا ذلك وهم لا يفقهون‏؟‏

قيل‏:‏ كلم عنهم مترجم، دليله‏:‏ قراءة ابن مسعود‏:‏ لا يكادون يفقهون قولا قال الذين من دونهم يا ذا القرنين‏.‏

‏{‏إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ‏}‏ قرأهما عاصم بهمزتين وكذلك في الأنبياء، ‏"‏فتحت يأجوج ومأجوج‏"‏ والآخرون بغير همز في السورتين وهما لغتان أصلهما من أجيج النار وهو ضوؤها وشررها شبهوا به لكثرتهم وشدتهم‏.‏

وقيل‏:‏ بالهمزة من شدة أجيج النار وبترك الهمز اسمان أعجميان مثل‏:‏ هاروت وماروت، وهم من أولاد يافث بن نوح‏.‏

قال الضحاك‏:‏ هم جيل من الترك‏.‏ قال السدي‏:‏ الترك سرية من يأجوج ومأجوج، خرجت فضرب ذو القرنين السد فبقيت خارجه، فجميع الترك منهم‏.‏ وعن قتادة‏:‏ أنهم اثنان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السد على إحدى وعشرين قبيلة فبقيت قبيلة واحدة فهم الترك سموا الترك لأنهم تركوا خارجين‏.‏

قال أهل التواريخ‏:‏ أولاد نوح ثلاثة سام وحام ويافث، فسام أبو العرب والعجم والروم، وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة، ويافث أبو الترك والخزر والصقالبة ويأجوج ومأجوج، قال ابن عباس في رواية عطاء‏:‏ هم عشرة أجزاء وولد آدم كلهم جزء‏.‏ روي عن حذيفة مرفوعا‏:‏ إن يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح وهم من ولد آدم يسيرون إلى خراب الدنيا‏.‏ وقيل‏:‏ هم ثلاثة أصناف، صنف منهم أمثال الأرز شجر بالشام طوله عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء، عشرون ومائة ذراع، وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف الأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ومن مات منهم‏.‏ أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار المشارق وبحيرة طبرية‏.‏

وعن علي أنه قال‏:‏ منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول‏.‏

وقال كعب‏:‏ هم نادرة في ولد آدم وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج فهم يتصلون بنا من جهة الأب دون الأم‏.‏

وذكر وهب بن منبه‏:‏ أن ذا القرنين كان رجلا من الروم ابن عجوز، فلما بلغ كان عبدا صالحا‏.‏ قال الله له‏:‏ إني باعثك إلى أمم مختلفة ألسنتهم، منهم أمتان بينهما طول الأرض‏:‏ إحداهما عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، والأخرى عند مطلعها يقال لها منسك، وأمتان بينهما عرض الأرض‏:‏ إحداهما في القطر الأيمن يقال لها هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها تأويل، وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج فقال ذو القرنين‏:‏ بأي قوة أكابرهم‏؟‏ وبأي جمع أكاثرهم‏؟‏ وبأي لسان أناطقهم‏؟‏ قال الله عز وجل‏:‏ إني سأطوفك وأبسط لك لسانك وأشد عضدك فلا يهولنك شيء وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء وأسخر لك النور والظلمة وأجعلهما من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك‏.‏

فانطلق حتى أتى مغرب الشمس فوجد جمعا وعددا لا يحصيه إلا الله، فكابرهم بالظلمة حتى جمعهم في مكان واحد فدعاهم إلى الله وعبادته فمنهم من آمن ومنهم من صد عنه فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أجوافهم وبيوتهم فدخلوا في دعوته فجند من أهل المغرب جندا عظيما فانطلق يقودهم والظلمة تسوقهم حتى أتى هاويل فعمل فيهم كعمله في ناسك، ثم مضى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجند منها جنودا كفعله في الأمتين ثم أخذ ناحية الأرض اليسرى فأتى تاويل فعمل فيها كعمله فيما قبلها، ثم عمد إلى الأمم التي في وسط الأرض، فلما دنا مما يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمة صالحة من الإنس‏:‏ يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقا أشباه البهائم يفترسون الدواب والوحوش لهم أنياب وأضراس كالسباع يأكلون الحيات والعقارب وكل ذي روح خلق في الأرض وليس يزداد خلق كزيادتهم ولا شك أنهم سيملئون الأرض ويظهرون علينا ويفسدون فيها، فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال‏:‏ ما مكني فيه ربي خير قال‏:‏ أعدوا إلي الصخور والحديد والنحاس حتى أعلم علمهم‏.‏

فانطلق حتى توسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا لهم مخاليب كالأظفار في أيدينا وأنياب وأضراس كالسباع ولهم هدب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم ويتقون به من الحر والبرد ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان يفترش إحداهما ويلتحف بالأخرى يصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى يتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا، فلما عاين ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما فحفر له الأساس حتى بلغ الماء وجعل حشوه الصخر وطينه النحاس يذاب فيصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ‏}‏ قال الكلبي‏:‏ فسادهم أنهم كانوا يخرجون أيام الربيع إلى أرضهم فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلا أكلوه ولا شيئا يابسا إلا احتملوا وأدخلوه أرضهم وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا‏.‏

وقيل‏:‏ فسادهم أنهم كانوا يأكلون الناس‏.‏

وقيل‏:‏ معناه أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم‏.‏

‏{‏فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا‏}‏ قرأ حمزة والكسائي ‏"‏ خراجا ‏"‏ بالألف وقرأ الآخرون ‏{‏خَرْجًا‏}‏ بغير ألف وهما لغتان بمعنى واحد أي جعلا وأجرا من أموالنا‏.‏

وقال أبو عمرو‏:‏ ‏"‏الخرج‏"‏‏:‏ ما تبرعت به و‏"‏الخراج‏"‏‏:‏ ما لزمك أداؤه‏.‏ وقيل‏:‏ ‏"‏الخراج‏"‏‏:‏ على الأرض و‏"‏الخرج‏"‏‏:‏ على الرقاب‏.‏ يقال‏:‏ أد خرج رأسك وخراج مدينتك‏.‏

‏{‏عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا‏}‏ أي حاجزا فلا يصلون إلينا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏95‏]‏

‏{‏قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ‏(‏95‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏قَالَ‏}‏ لهم ذو القرنين‏:‏ ‏{‏مَا مَكَّنِّي فِيهِ‏}‏ قرأ ابن كثير ‏"‏ مكنني ‏"‏ بنونين ظاهرين، وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة على الإدغام، أي‏:‏ ما قواني عليه ‏{‏رَبِّي خَيْرٌ‏}‏ من جعلكم ‏{‏فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ‏}‏ معناه‏:‏ إني لا أريد المال بل أعينوني بأبدانكم وقوتكم ‏{‏أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا‏}‏ أي‏:‏ سدا، قالوا وما تلك القوة‏؟‏ قال‏:‏ فعلة وصناع يحسنون البناء والعمل والآلة، قالوا‏:‏ وما تلك الآية‏؟‏ قال‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏96- 98‏]‏

‏{‏آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ‏(‏96‏)‏ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ‏(‏97‏)‏ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ‏(‏98‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏آتُونِي‏}‏ أعطوني وقرأ أبو بكر‏:‏ ‏"‏ ائتوني ‏"‏ أي جيئوني ‏{‏زُبَرَ الْحَدِيدِ‏}‏ أي قطع الحديد واحدتها زبرة، فأتوه بها وبالحطب وجعل بعضها على بعض، فلم يزل يجعل الحديد على الحطب والحطب على الحديد ‏{‏حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ‏}‏ قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب‏:‏ بضم الصاد والدال وجزم أبو بكر الدال وقرأ الآخرون بفتحها وهما الجبلان ساوى‏:‏ أي سوى بين طرفي الجبلين‏.‏

‏{‏قَالَ انْفُخُوا‏}‏ وفي القصة‏:‏ أنه جعل الفحم والحطب في خلال زبر الحديد، ثم قال‏:‏ انفخوا، يعني‏:‏ في النار‏.‏

‏{‏حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا‏}‏ أي صار الحديد نارا، ‏{‏قَالَ آتُونِي‏}‏ قرأ حمزة وأبو بكر وصلا وقرأ الآخرون بقطع الألف‏.‏ ‏{‏أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا‏}‏ أي‏:‏ آتوني قطرا أفرغ عليه، و‏"‏الإفراغ‏"‏‏:‏ الصب و‏"‏القطر‏"‏‏:‏ هو النحاس المذاب فجعلت النار تأكل الحطب ويصير النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس‏.‏

قال قتادة‏:‏ هو كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء‏.‏ وفي القصة‏:‏ أن عرضه كان خمسين ذراعا وارتفاعه مائتي ذراع وطوله فرسخ‏.‏ ‏{‏فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ‏}‏ أن يعلوه من فوقه لطوله وملاسته ‏{‏وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا‏}‏ من أسفله لشدته ولصلابته وقرأ حمزة‏:‏ ‏{‏فَمَا اسْتَطَاعُوا‏}‏ بتشديد الطاء أدغم تاء الافتعال في الطاء‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ يعني ذا القرنين ‏{‏هَذَا‏}‏ أي السد ‏{‏رَحْمَةٌ‏}‏ أي‏:‏ نعمة ‏{‏مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي‏}‏ قيل‏:‏ يوم القيامة وقيل‏:‏ وقت خروجهم ‏{‏جَعَلَهُ دَكَّاءَ‏}‏ قرأ أهل الكوفة ‏{‏دَكَّاءَ‏}‏ بالمد والهمز، أي‏:‏ أرضا ملساء وقرأ الآخرون بلا مد أي‏:‏ جعله مدكوكا مستويا مع وجه الأرض ‏{‏وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا‏}‏ وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة يرفعه‏:‏ ‏"‏أن يأجوج ومأجوج يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم‏:‏ ارجعوا فستحفرونه غدا فيعيده الله كما كان حتى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم‏:‏ ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله واستثنى فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه فيخرجون على الناس، فيتبعون المياه ويتحصن الناس في حصونهم منهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم فيقولون‏:‏ قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم فيهلكون وإن دواب الأرض لتسمن وتشكر من لحومهم شكرا‏"‏‏.‏

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا محمد بن مهران الرازي حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن يحيى بن جابر الطائي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه جبير بن نفير عن النواس بن سمعان قال‏:‏ ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال‏:‏ ‏"‏ما شأنكم‏؟‏ ‏"‏ قلنا‏:‏ يا رسول الله ذكرت الدجال ذات غداة فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل فقال‏:‏ ‏"‏غير الدجال أخوفني عليكم‏؟‏ إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم إنه شاب قطط عينه اليمنى طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وعاث شمالا يا عباد الله‏!‏ فاثبتوا‏"‏ قلنا‏:‏ يا رسول الله فما لبثه في الأرض‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أربعون يوما يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم‏"‏ قلنا‏:‏ يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم‏؟‏ قال لا اقْدُرُوا له قدره قلنا‏:‏ يا رسول الله وما إسراعه في الأرض‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنوا به ويستجيبوا له فيأمر السماء فتمطر الأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرى وأسبغه ضروعا وأمده خواصر ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، قال‏:‏ فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فيتبعه كنوزها كيعاسيب النخل ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي باب دمشق بين مهرورتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه مثل جمان اللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله ثم يأتي عيسى قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقول‏:‏ لقد كان بهذه مرة ماء ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض‏:‏ أنبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرَّسْل حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة‏"‏‏.‏

وبهذا الإسناد حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا علي بن حجر السعدي حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر والوليد بن مسلم بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بهذا الإسناد نحو ما ذكرنا وزاد بعد قوله‏:‏- لقد كان بهذه مرة ماء- ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر وهو جبل بيت المقدس فيقولون‏:‏ لقد قلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما‏"‏‏.‏

وقال وهب‏:‏ إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون الخشب والشجر، ومن ظفروا به من الناس، ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة ولا بيت المقدس‏.‏

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل أنبأنا أحمد أنبأنا أبي أنبأنا إبراهيم عن الحجاج بن حجاج عن قتادة عن عبد الله بن أبي عتبة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج‏"‏‏.‏

وفي القصة‏:‏ أن ذا القرنين دخل الظلمة فلما رجع توفي بشهر زور وذكر بعضهم‏:‏ أن عمره كان نيفا وثلاثين سنة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏99- 102‏]‏

‏{‏وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ‏(‏99‏)‏ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ‏(‏100‏)‏ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ‏(‏101‏)‏ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا ‏(‏102‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ‏}‏ قيل‏:‏ هذا عند فتح السد، يقول‏:‏ تركنا يأجوج ومأجوج يموج، أي‏:‏ يدخل بعضهم على بعض كموج الماء ويختلط بعضهم ببعض لكثرتهم‏.‏

وقيل‏:‏ هذا عند قيام الساعة، يدخل الخلق بعضهم في بعض ويختلط إنسيهم بجنيهم حيارى‏.‏ ‏{‏وَنُفِخَ فِي الصُّورِ‏}‏ لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة ‏{‏فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا‏}‏ في صعيد واحد‏.‏ ‏{‏وَعَرَضْنَا‏}‏ أبرزنا ‏{‏جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا‏}‏ حتى يشاهدوها عيانا‏.‏ ‏{‏الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ‏}‏ أي‏:‏ غشاء و‏"‏الغطاء‏"‏‏:‏ ما يغطى به الشيء ويستره ‏{‏عَنْ ذِكْرِي‏}‏ يعني‏:‏ عن الإيمان والقرآن، وعن الهدى والبيان‏.‏ وقيل‏:‏ عن رؤية الدلائل‏.‏

‏{‏وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا‏}‏ أي‏:‏ سمع القبول والإيمان، لغلبة الشقاوة عليهم‏.‏

وقيل‏:‏ لا يعقلون وقيل‏:‏ كانوا لا يستطيعون أي‏:‏ لا يقدرون أن يسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يتلوه عليهم لشدة عداوتهم له، كقول الرجل‏:‏ لا أستطيع أن أسمع من فلان شيئا لعداوته‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَفَحَسِبَ‏}‏ أفظن ‏{‏الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ‏}‏ أربابا يريد بالعباد‏:‏ عيسى والملائكة كلا بل هم لهم أعداء ويتبرءون منهم‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ يعني الشياطين أطاعوهم من دون الله‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ الأصنام سموا عبادا كما قال‏:‏ ‏"‏إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم‏"‏ ‏(‏الأعراف- 194‏)‏ وجواب هذا الاستفهام محذوف‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ يريد إني لأغضب لنفسي، يقول‏:‏ أفظن الذين كفروا أن يتخذوا غيري أولياء وإني لا أغضب لنفسي ولا أعاقبهم‏.‏

وقيل‏:‏ أفظنوا أنهم ينفعهم أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء‏.‏

‏{‏إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا‏}‏ أي‏:‏ منزلا قال ابن عباس‏:‏ هي مثواهم‏.‏ وقيل‏:‏ النزل ما يهيأ للضيف يريد هي معدة لهم عندنا كالنزل للضيف‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏103- 105‏]‏

‏{‏قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا ‏(‏103‏)‏ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ‏(‏104‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ‏(‏105‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا‏}‏ يعني‏:‏ الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يرجون به فضلا ونوالا فنالوا هلاكا وبوارا كمن يشتري سلعة يرجو عليها ربحا فخسر وخاب سعيه‏.‏

واختلفوا فيهم‏:‏ قال ابن عباس وسعد بن أبي وقاص‏:‏ هم اليهود والنصارى‏.‏ وقيل‏:‏ هم الرهبان‏.‏ ‏{‏الَّذِينَ‏}‏ حبسوا أنفسهم في الصوامع‏.‏ وقال علي بن أبي طالب‏:‏ هم أهل حروراء ‏{‏ضَلَّ سَعْيُهُمْ‏}‏ بطل عملهم واجتهادهم ‏{‏فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا‏}‏ أي عملا‏.‏ ‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ‏}‏ بطلت ‏{‏أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا‏}‏ أي لا نجعل لهم خطرا وقدرا، تقول العرب‏:‏ ‏"‏ما لفلان عندي وزن‏"‏ أي‏:‏ قدر لخسته‏.‏

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا أحمد عن محمد بن يوسف عن محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا سعيد ابن مريم أنبأنا المغيرة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة‏"‏، وقال اقرؤوا ما شئتم‏:‏ ‏{‏فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا‏}‏‏.‏

قال أبو سعيد الخدري‏:‏ يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة فإذا وزنوها لم تزن شيئا فذلك قوله تعالى ‏{‏فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏106- 107‏]‏

‏{‏ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ‏(‏106‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا ‏(‏107‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏ذَلِكَ‏}‏ الذي ذكرت من حبوط أعمالهم وخسة أقدارهم ثم ابتدأ فقال‏:‏ ‏{‏جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي‏}‏ يعني القرآن ‏{‏وَرُسُلِي هُزُوًا‏}‏ أي سخرية ومهزوءا بهم‏.‏ قوله تعالى ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ‏}‏ روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة‏"‏‏.‏

قال كعب‏:‏ ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر‏.‏

وقال قتادة‏:‏ ‏"‏الفردوس‏"‏‏:‏ ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها‏.‏

قال كعب‏:‏ ‏"‏الفردوس‏"‏‏:‏ هو البستان الذي فيه الأعناب‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ هو البستان بالرومية‏.‏

وقال عكرمة‏:‏ هي الجنة بلسان الحبش‏.‏

قال الزجاج‏:‏ هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ هي الجنة الملتفة الأشجار‏.‏

وقيل‏:‏ هي الروضة المستحسنة‏.‏

وقيل‏:‏ هي التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعه فراديس‏.‏

‏{‏نزلا‏}‏ قيل أي‏:‏ منزلا‏.‏ وقيل‏:‏ ما يهيأ للنازل على معنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس ونعيمها نزلا ومعنى ‏"‏كانت لهم‏"‏ أي‏:‏ في علم الله قبل أن يخلقوا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏108- 110‏]‏

‏{‏خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا ‏(‏108‏)‏ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ‏(‏109‏)‏ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ‏(‏110‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ‏}‏ لا يطلبون ‏{‏عَنْهَا حِوَلا‏}‏ أي تحولا إلى غيرها، قال ابن عباس‏:‏ لا يريدون أن يتحولوا عنها كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ قالت اليهود يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة وفي كتابك ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ثم تقول‏:‏ وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏؟‏ فأنزل الله هذه الآية‏.‏

وقيل‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏"‏وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏"‏، قالت اليهود‏:‏ أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فأنزل الله تعالى ‏{‏قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا‏}‏ سمي المداد مدادا لإمداد الكاتب وأصله من الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء‏.‏

قال مجاهد‏:‏ لو كان البحر مدادا للقلم والقلم يكتب ‏{‏لَنَفِدَ الْبَحْرُ‏}‏ أي ماؤه ‏{‏قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ‏}‏ قرأ حمزة والكسائي ‏"‏ ينفد ‏"‏ بالياء لتقدم الفعل والباقون بالتاء ‏{‏كَلِمَاتُ رَبِّي‏}‏ أي علمه وحكمه ‏{‏وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا‏}‏ معناه‏:‏ لو كان الخلائق يكتبون والبحر يمدهم لنفد البحر ولم تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثل ماء البحر في كثرته مددا أو زيادة و‏"‏مددا‏"‏ منصوب على التمييز نظيره قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله‏"‏ ‏(‏لقمان- 27‏)‏‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ علم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، فأمره أن يقر فيقول‏:‏ إني آدمي مثلكم، إلا أني خصصت بالوحي وأكرمني الله به يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد لا شريك له ‏{‏فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ‏}‏ أي يخاف المصير إليه وقيل‏:‏ يأمل رؤية ربه فالرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل جميعا، قال الشاعر‏:‏

ولا كل ما ترجو من الخير كائن *** ولا كل ما ترجو من الشر واقع

فجمع بين المعنيين‏.‏

‏{‏فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا‏}‏ أي‏:‏ لا يرائي بعمله‏.‏

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنبأنا أبو نعيم أخبرنا سفيان عن سلمة هو ابن كهيل قال‏:‏ سمعت جندبا يقول‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به‏"‏‏.‏

وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر‏"‏، قالوا‏:‏ يا رسول الله وما الشرك الأصغر‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏الرياء‏"‏‏.‏

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنبأنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا أبي حدثنا شعيب قال‏:‏ حدثنا الليث عن أبي الهاد عن عمرو عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن الله تبارك وتعالى يقول‏:‏ أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري فأنا منه بريء هو للذي عمله‏"‏‏.‏

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا حفص بن عمر حدثنا همام عن قتادة حدثنا سالم بن أبي الجعد الغطفاني عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال‏"‏‏.‏

وأخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أبو منصور السمعاني حدثنا أبو جعفر الرياني حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا أبو الأسود حدثنا ابن لهيعة عن زياد عن سهل- هو ابن معاذ- عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قدميه إلى رأسه ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء‏"‏‏.‏

سورة مريم

مكية، وهي ثمان وتسعون آية

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

بسم الله الرحمن الرحيم

‏{‏كهيعص ‏(‏1‏)‏ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ‏(‏2‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏كهيعص‏}‏ قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، وضده ابن عامر، وحمزة، وبكسرهما‏:‏ الكسائي وأبو بكر، والباقون بفتحهما‏.‏

ويظهر الدال عند الذال من ‏"‏صاد ذكر‏"‏ ابن كثير، ونافع، وعاصم ويعقوب والباقون بالإدغام‏.‏

قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ هو اسم من أسماء الله تعالى‏.‏

وقال قتادة‏:‏ هو اسم من أسماء القرآن‏.‏

وقيل‏:‏ اسم للسورة‏.‏ وقيل‏:‏ هو قسم أقسم الله به‏.‏

ويروى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ‏{‏كهيعص‏}‏ قال‏:‏ الكاف من كريم وكبير، والهاء من هاد، والياء من رحيم، والعين من عليم، وعظيم، والصاد من صادق‏.‏

وقال الكلبي‏:‏ معناه‏:‏ كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم ببريته، صادق في وعده ‏{‏ذِكْرُ‏}‏ رفع بالمضمر، أي‏:‏ هذا الذي نتلوه عليك ذكر ‏{‏رَحْمَةِ رَبِّكَ‏}‏ وفيه تقديم وتأخير معناه‏:‏ ذكر ربك ‏{‏عَبْدَهُ زَكَرِيَّا‏}‏ برحمته‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 6‏]‏

‏{‏إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ‏(‏3‏)‏ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ‏(‏4‏)‏ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ‏(‏5‏)‏ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ‏(‏6‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏إِذْ نَادَى‏}‏ دعا ‏{‏رَبَّهُ‏}‏ في محرابه ‏{‏نِدَاءً خَفِيًّا‏}‏ دعا سرا من قومه في جوف الليل‏.‏ ‏{‏قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ‏}‏ ضعف ورق ‏{‏الْعَظْمُ مِنِّي‏}‏ من الكبر‏.‏ قال قتادة‏:‏ اشتكى سقوط الأضراس ‏{‏وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ‏}‏ أي‏:‏ ابيض شعر الرأس ‏{‏شَيْبًا‏}‏ شمطا ‏{‏وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا‏}‏ يقول‏:‏ عودتني الإجابة فيما مضى ولم تخيبني‏.‏

وقيل‏:‏ معناه لما دعوتني إلى الإيمان آمنت ولم أشق بترك الإيمان‏.‏ ‏{‏وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ‏}‏ و‏"‏الموالي‏"‏‏:‏ بنو العم‏.‏ قال مجاهد‏:‏ العصبة‏.‏ وقال أبو صالح‏:‏ الكلالة‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ الورثة ‏{‏مِنْ وَرَائِي‏}‏ أي‏:‏ من بعد موتي‏.‏

قرأ ابن كثير‏:‏ ‏{‏مِنْ وَرَائِي‏}‏ بفتح الياء، والآخرون بإسكانها‏.‏

‏{‏وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا‏}‏ لا تلد ‏{‏فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ‏}‏ أعطني من عندك ‏{‏وَلِيًّا‏}‏ ابنا‏.‏ ‏{‏يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ‏}‏ قرأ أبو عمرو والكسائي‏:‏ بجزم الثاء فيهما، على جواب الدعاء، وقرأ الآخرون بالرفع على الحال والصفة، أي‏:‏ وليا وارثا‏.‏

واختلفوا في هذا الإرث؛ قال الحسن‏:‏ معناه يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوة والحبورة‏.‏

وقيل‏:‏ أراد ميراث النبوة والعلم‏.‏

وقيل‏:‏ أراد إرث الحبورة، لأن زكريا كان رأس الأحبار‏.‏

قال الزجاج‏:‏ والأولى أن يحمل على ميراث غير المال لأنه يبعد أن يشفق زكريا وهو نبي من الأنبياء أن يرثه بنو عمه ماله‏.‏

والمعنى‏:‏ أنه خاف تضييع بني عمه دين الله وتغيير أحكامه على ما كان شاهده من بني إسرائيل من تبديل الدين وقتل الأنبياء، فسأل ربه وليا صالحا يأمنه على أمته ويرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين‏.‏ وهذا معنى قول عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏

‏{‏وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا‏}‏ أي برا تقيا مرضيا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ‏(‏7‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ‏}‏ وفيه اختصار، معناه‏:‏ فاستجاب الله دعاءه فقال‏:‏ يا زكريا إنا نبشرك، ‏{‏بِغُلامٍ‏}‏ بولد ذكر ‏{‏اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا‏}‏ قال قتادة والكلبي‏:‏ لم يسم أحد قبله يحيى‏.‏

وقال سعيد بن جبير وعطاء‏:‏ لم نجعل له شبها ومثلا كما قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏هل تعلم له سميا‏"‏ أي مثلا‏.‏

والمعنى‏:‏ أنه لم يكن له مثل، لأنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط‏.‏

وقيل‏:‏ لم يكن له مثل في أمر النساء، لأنه كان سيدا وحصورا‏.‏

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أي لم تلد العواقر مثله ولدا‏.‏

وقيل‏:‏ لم يرد الله به اجتماع الفضائل كلها ليحيى، إنما أراد بعضها، لأن الخليل والكليم كانا قبله، وهما أفضل منه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 10‏]‏

‏{‏قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ‏(‏8‏)‏ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ‏(‏9‏)‏ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ‏(‏10‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏قَالَ رَبِّ أَنَّى‏}‏ من أين ‏{‏يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا‏}‏ أي‏:‏ وامرأتي عاقر‏.‏ ‏{‏وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا‏}‏ أي‏:‏ يبسا، قال قتادة‏:‏ يريد نحول العظم، يقال‏:‏ عتا الشيخ يعتو عتيا وعسيا‏:‏ إذا انتهى سنه وكبر، وشيخ عات وعاس‏:‏ إذا صار إلى حالة اليبس والجفاف‏.‏

وقرأ حمزة والكسائي‏:‏ عتيا وبكيا وصليا وجثيا بكسر أوائلهن، والباقون برفعها، وهما لغتان‏.‏ ‏{‏قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ‏}‏ يسير ‏{‏وَقَدْ خَلَقْتُكَ‏}‏ قرأ حمزة والكسائي ‏"‏ خلقناك ‏"‏ بالنون والألف على التعظيم، ‏{‏مِنْ قَبْلُ‏}‏ أي من قبل يحيى ‏{‏وَلَمْ تَكُ شَيْئًا‏}‏ ‏{‏قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً‏}‏ دلالة على حمل امرأتي ‏{‏قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا‏}‏ أي‏:‏ صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس‏.‏

قال مجاهد‏:‏ أي لا يمنعك من الكلام مرض‏.‏

وقيل‏:‏ ثلاث ليال سويا أي متتابعات، والأول أصح‏.‏

وفي القصة‏:‏ أنه لم يقدر فيها أن يتكلم مع الناس فإذا أراد ذكر الله تعالى انطلق لسانه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 13‏]‏

‏{‏فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ‏(‏11‏)‏ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ‏(‏12‏)‏ وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا ‏(‏13‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ‏}‏ وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلون، إذ خرج عليهم زكريا متغيرا لونه فأنكروه، وقالوا‏:‏ ما لك يا زكريا‏؟‏ ‏{‏فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ‏}‏ فأومأ إليهم، قال مجاهد‏:‏ كتب لهم في الأرض، ‏{‏أَنْ سَبِّحُوا‏}‏ أي‏:‏ صلوا لله ‏{‏بُكْرَةً‏}‏ غدوة ‏{‏وَعَشِيًّا‏}‏ ومعناه‏:‏ أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشيا فيأمرهم بالصلاة، فلما كان وقت حمل امرأته ومنع الكلام حتى خرج إليهم فأمرهم بالصلاة إشارة‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يَا يَحْيَى‏}‏ قيل‏:‏ فيه حذف معناه‏:‏ ووهبنا له يحيى وقلنا له‏:‏ يا يحيى، ‏{‏خُذِ الْكِتَابَ‏}‏ يعني التوراة ‏{‏بِقُوَّةٍ‏}‏ بجد ‏{‏وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ‏}‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ النبوة ‏{‏صَبِيًّا‏}‏ وهو ابن ثلاث سنين‏.‏

وقيل‏:‏ أراد بالحكم فهم الكتاب فقرأ التوراة وهو صغير‏.‏

وعن بعض السلف‏:‏ من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو ممن أوتي الحكم صبيا‏.‏ ‏{‏وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا‏}‏ رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏

تحنن علي هداك المليك *** فإن لكل مقام مقالا أي‏:‏ ترحم‏.‏

‏{‏وَزَكَاةً‏}‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ يعني بالزكاة الطاعة والإخلاص‏.‏

وقال قتادة رضي الله عنه‏:‏ هي العمل الصالح، وهو قول الضحاك‏.‏

ومعنى الآية‏:‏ وآتيناه رحمة من عندنا وتحننا على العباد، ليدعوهم إلى طاعة ربهم ويعمل عملا صالحا في إخلاص‏.‏

وقال الكلبي‏:‏ يعني صدقة تصدق الله بها على أبويه‏.‏

‏{‏وَكَانَ تَقِيًّا‏}‏ مسلما ومخلصا مطيعا، وكان من تقواه أنه لم يعمل خطيئة ولا هم بها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 16‏]‏

‏{‏وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ‏(‏14‏)‏ وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ‏(‏15‏)‏ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ‏(‏16‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ‏}‏ أي بارا لطيفا بهما محسنا إليهما‏.‏ ‏{‏وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا‏}‏ و‏"‏الجبار‏"‏‏:‏ المتكبر، وقيل‏:‏ ‏"‏الجبار‏"‏‏:‏ الذي يضرب ويقتل على الغضب، و‏"‏العصي‏"‏‏:‏ العاصي‏.‏ ‏{‏وَسَلامٌ عَلَيْهِ‏}‏ أي‏:‏ سلامة له، ‏{‏يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا‏}‏ قال سفيان بن عيينة‏:‏ أوحش ما يكون الإنسان في هذه الأحوال‏:‏ يوم ولد فيخرج مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم ير مثله‏.‏ فخص يحيى بالسلامة في هذه المواطن‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ‏}‏ في القرآن ‏{‏مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ‏}‏ تنحت واعتزلت ‏{‏مِنْ أَهْلِهَا‏}‏ من قومها ‏{‏مَكَانًا شَرْقِيًّا‏}‏ أي‏:‏ مكانا في الدار مما يلي المشرق، وكان يوما شاتيا شديد البرد، فجلست في مشرقة تفلي رأسها‏.‏

وقيل‏:‏ كانت طهرت من المحيض، فذهبت لتغتسل‏.‏

قال الحسن‏:‏ ومن ثم اتخذت النصارى المشرق قبلة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 20‏]‏

‏{‏فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ‏(‏17‏)‏ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ‏(‏18‏)‏ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا ‏(‏19‏)‏ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ‏(‏20‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏فَاتَّخَذَتْ‏}‏ فضربت ‏{‏مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا‏}‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ سترا‏.‏

وقيل‏:‏ جلست وراء جدار‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ وراء جبل‏.‏

وقال عكرمة‏:‏ إن مريم كانت تكون في المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها، حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينما هي تغتسل من المحيض قد تجردت، إذ عرض لها جبريل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سوي الخلق، فذلك قوله‏:‏

‏{‏فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا‏}‏ يعني‏:‏ جبريل عليه السلام ‏{‏فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا‏}‏ وقيل‏:‏ المراد من الروح عيسى عليه السلام، جاء في صورة بشر فحملت به والأول أصح فلما رأت مريم جبريل يقصد نحوها نادته من بعيد فـ‏:‏ ‏{‏قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا‏}‏ مؤمنا مطيعا‏.‏

فإن قيل إنما يستعاذ من الفاجر، فكيف قالت‏:‏ إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا‏؟‏

قيل‏:‏ هذا كقول القائل‏:‏ إن كنت مؤمنا فلا تظلمني‏.‏ أي‏:‏ ينبغي أن يكون إيمانك مانعا من الظلم وكذلك هاهنا‏.‏

معناه‏:‏ وينبغي أن تكون تقواك مانعا لك من الفجور‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ لها جبريل‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ‏}‏ قرأ نافع وأهل البصرة‏:‏ ‏"‏ليهب لك‏"‏ بالياء، أي‏:‏ ليهب لك ربك، وقرأ الآخرون‏:‏ ‏"‏لأهب لك‏"‏ أسند الفعل إلى الرسول، وإن كانت الهبة من الله تعالى، لأنه أرسل به‏.‏

‏{‏غُلامًا زَكِيًّا‏}‏ ولدا صالحا طاهرا من الذنوب‏.‏ ‏{‏قَالَتْ‏}‏ مريم ‏{‏أَنَّى‏}‏ من أين ‏{‏يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ‏}‏ لم يقربني زوج ‏{‏وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا‏}‏ فاجرة‏؟‏ تريد أن الولد يكون من نكاح أو سفاح، ولم يكن هنا واحد منهما‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 22‏]‏

‏{‏قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ‏(‏21‏)‏ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ‏(‏22‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏قَالَ‏}‏ جبريل‏:‏ ‏{‏كَذَلِكِ‏}‏ قيل‏:‏ معناه كما قلت يا مريم ولكن، ‏{‏قَالَ رَبُّكَ‏}‏ وقيل هكذا قال ربك، ‏{‏هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ‏}‏ أي‏:‏ خلق ولد بلا أب، ‏{‏وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً‏}‏ علامة، ‏{‏لِلنَّاسِ‏}‏ ودلالة على قدرتنا، ‏{‏وَرَحْمَةً مِنَّا‏}‏ ونعمة لمن تبعه على دينه، ‏{‏وَكَانَ‏}‏ ذلك، ‏{‏أَمْرًا مَقْضِيًّا‏}‏ محكوما مفروغا عنه لا يرد ولا يبدل‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَحَمَلَتْهُ‏}‏ قيل‏:‏ إن جبريل رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبست‏.‏

وقيل‏:‏ مد جيب درعها بأصبعه ثم نفخ في الجيب‏.‏

وقيل‏:‏ نفخ في كم قميصها‏.‏ وقيل‏:‏ في فيها‏.‏

وقيل‏:‏ نفخ جبريل عليه السلام نفخا من بعيد فوصل الريح إليها فحملت بعيسى في الحال ‏{‏فَانْتَبَذَتْ بِهِ‏}‏ أي تنحت بالحمل وانفردت، ‏{‏مَكَانًا قَصِيًّا‏}‏ بعيدا من أهلها‏.‏

قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم، فرارا من قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج‏.‏

واختلفوا في مدة حملها ووقت وضعها؛ فقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ كان الحمل والولادة في ساعة واحدة‏.‏

وقيل‏:‏ كان مدة حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء‏.‏

وقيل‏:‏ كان مدة حملها ثمانية أشهر، وكان ذلك آية أخرى لأنه لا يعيش ولد يولد لثمانية أشهر، وولد عيسى لهذه المدة وعاش‏.‏

وقيل‏:‏ ولدت لستة أشهر‏.‏

وقال مقاتل بن سليمان‏:‏ حملته مريم في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين وكانت قد حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏

‏{‏فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ‏(‏23‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏فَأَجَاءَهَا‏}‏ أي ألجأها وجاء بها، ‏{‏الْمَخَاضُ‏}‏ وهو وجع الولادة، ‏{‏إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ‏}‏ وكانت نخلة يابسة في الصحراء، في شدة الشتاء، لم يكن لها سعف‏.‏

وقيل‏:‏ التجأت إليها لتستند إليها وتتمسك بها على وجع الولادة، ‏{‏قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا‏}‏ تمنت الموت استحياء من الناس وخوف الفضيحة، ‏{‏وَكُنْتُ نَسْيًا‏}‏ قرأ حمزة وحفص ‏{‏نَسْيًا‏}‏ بفتح النون، والباقون بكسرها وهما لغتان، مثل‏:‏ الوَتر والوِتر، والجسر والجَسر، وهو الشيء المنسي‏"‏ و‏"‏النسي‏"‏ في اللغة‏:‏ كل ما ألقي ونسي ولم يذكر لحقارته‏.‏

‏{‏مَنْسِيًّا‏}‏ أي‏:‏ متروكا قال قتادة‏:‏ شيء لا يعرف ولا يذكر‏.‏ قال عكرمة والضحاك ومجاهد‏:‏ جيفة ملقاة‏.‏ وقيل‏:‏ تعني لم أخلق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ‏(‏24‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا‏}‏ قرأ أبو جعفر ونافع وحمزة والكسائي وحفص‏:‏ ‏{‏مِنْ تَحْتِهَا‏}‏ بكسر الميم والتاء، يعني جبريل عليه السلام، وكانت مريم على أكمة وجبريل وراء الأكمة تحتها فناداها‏.‏

وقرأ الآخرون بفتح الميم والتاء، وأراد جبريل عليه السلام أيضا، ناداها من سفح الجبل‏.‏

وقيل‏:‏ هو عيسى لما خرج من بطن أمه ناداها‏:‏ ‏{‏أَلا تَحْزَنِي‏}‏ وهو قول مجاهد والحسن‏.‏

والأول قول ابن عباس رضي الله عنهما والسدي وقتادة والضحاك وجماعة‏:‏ أن المنادي كان جبريل لما سمع كلامها وعرف جزعها ناداها ألا تحزني‏.‏

‏{‏قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا‏}‏ و‏"‏السري‏"‏‏:‏ النهر الصغير‏.‏

وقيل‏:‏ تحتك أي جعله الله تحت أمرك إن أمرتيه أن يجري جرى، وإن أمرتيه بالإمساك أمسك‏.‏

قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ضرب جبريل عليه السلام- ويقال‏:‏ ضرب عيسى عليه الصلاة والسلام- برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى‏.‏

وقيل‏:‏ كان هناك نهر يابس أجرى الله سبحانه وتعالى فيه الماء وحييت النخلة اليابسة، فأورقت وأثمرت وأرطبت‏.‏

وقال الحسن‏:‏ ‏"‏تحتك سريا‏"‏ يعني‏:‏ عيسى وكان والله عبدا سريا، يعني‏:‏ رفيعا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 26‏]‏

‏{‏وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ‏(‏25‏)‏ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ‏(‏26‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَهُزِّي إِلَيْكِ‏}‏ يعني قيل لمريم‏:‏ حركي ‏{‏بِجِذْعِ النَّخْلَةِ‏}‏ تقول العرب‏:‏ هزه وهز به، كما يقول‏:‏ حز رأسه وحز برأسه، وأمدد الحبل وأمدد به، ‏{‏تُسَاقِطْ عَلَيْكِ‏}‏ القراءة المعروفة بفتح التاء والقاف وتشديد السين، أي‏:‏ تتساقط، فأدغمت إحدى التاءين في السين أي‏:‏ تسقط عليك النخلة رطبا، وخفف حمزة السين وحذف التاء التي أدغمها غيره‏.‏

وقرأ حفص بضم التاء وكسر القاف خفيف على وزن تفاعل‏.‏ وتساقط بمعنى أسقط، والتأنيث لأجل النخلة‏.‏

وقرأ يعقوب‏:‏ ‏"‏يساقط‏"‏ بالياء مشددة ردة إلى الجذع‏.‏

‏{‏رُطَبًا جَنِيًّا‏}‏ مجنيا‏.‏ وقيل‏:‏ الجني هو الذي بلغ الغاية، وجاء أوان اجتنائه‏.‏ قال الربيع بن خثيم‏:‏ ما للنفساء عندي خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل‏.‏ قوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏فَكُلِي وَاشْرَبِي‏}‏ أي‏:‏ فكلي يا مريم من الرطب، واشربي من ماء النهر ‏{‏وَقَرِّي عَيْنًا‏}‏ أي‏:‏ طيبي نفسا‏.‏ وقيل‏:‏ قري عينك بولدك عيسى‏.‏ يقال‏:‏ أقر الله عينك أي‏:‏ صادف فؤادك ما يرضيك، فتقر عينك من النظر إلى غيره‏.‏ وقيل‏:‏ أقر الله عينه‏:‏ يعني أنامها، يقال‏:‏ قر يقر إذا سكن‏.‏

وقيل‏:‏ إن العين إذا بكت من السرور فالدمع بارد، وإذا بكت من الحزن فالدمع يكون حارا، فمن هذا قيل‏:‏ أقر الله عينه وأسخن الله عينه‏.‏

‏{‏فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا‏}‏ أي‏:‏ تري، فدخل عليه نون التأكيد فكسرت الياء لالتقاء الساكنين‏.‏

معناه‏:‏ فإما ترين من البشر أحدا فيسألك عن ولدك ‏{‏فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا‏}‏ أي‏:‏ صمتا وكذلك كان يقرأ ابن مسعود رضي الله عنه‏.‏

والصوم في اللغة الإمساك عن الطعام والشراب والكلام‏.‏

قال السدي‏:‏ كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام، كما يصوم عن الطعام، فلا يتكلم حتى يمسي‏.‏

وقيل‏:‏ إن الله تعالى أمرها أن تقول هذا إشارة‏.‏

وقيل أمرها أن تقول هذا القدر نطقا، ثم تمسك عن الكلام بعده‏.‏

‏{‏فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا‏}‏ يقال‏:‏ كانت تكلم الملائكة، ولا تكلم الإنس‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 28‏]‏

‏{‏فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ‏(‏27‏)‏ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ‏(‏28‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ‏}‏ قيل‏:‏ إنها ولدته، ثم حملته في الحال إلى قومها‏.‏

وقال الكلبي‏:‏ حمل يوسف النجار مريم وابنها عيسى عليهما السلام إلى غار، ومكثت أربعين يوما حتى طهرت من نفاسها ثم حملته مريم عليها السلام إلى قومها‏.‏ فكلمها عيسى عليه السلام في الطريق فقال‏:‏ يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين ‏{‏قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا‏}‏ عظيما منكرا، قال أبو عبيدة‏:‏ كل أمر فائق من عجب أو عمل فهو فري‏.‏

قال النبي صلى الله عليه وسلم في عمر‏:‏ ‏"‏فلم أر عبقريا يفري فريه‏"‏ أي‏:‏ يعمل عمله‏.‏ ‏{‏يَا أُخْتَ هَارُونَ‏}‏ يريد يا شبيهة هارون، قال قتادة وغيره‏:‏ كان هارون رجلا صالحا عابدا في بني إسرائيل‏.‏ روي أنه اتبع جنازته يوم مات أربعون ألفا كلهم يسمى ‏"‏هارون‏"‏ من بني إسرائيل سوى سائر الناس شبهوها به على معنى إنا ظننا أنك مثله في الصلاح‏.‏ وليس المراد منه الأخوة في النسب، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين‏"‏ ‏(‏الإسراء‏:‏27‏)‏ أي أشباههم‏.‏

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد بن عيسى أخبرنا إبراهيم بن محمد بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا ابن إدريس عن أبيه عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة قال‏:‏ لما قدمت نجران سألوني، فقالوا‏:‏ إنكم تقرءون‏:‏ ‏{‏يَا أُخْتَ هَارُونَ‏}‏ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا‏!‏ فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال‏:‏ ‏"‏إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم‏"‏‏.‏

وقال الكلبي‏:‏ كان هارون أخا مريم من أبيها، وكان أمثل رجل في بني إسرائيل‏.‏

وقال السدي‏:‏ إنما عنوا به هارون أخا موسى، لأنها كانت من نسله كما يقال للتميمي‏:‏ يا أخا تميم‏.‏

وقيل‏:‏ كان هارون رجلا فاسقا في بني إسرائيل عظيم الفسق فشبهوها به‏.‏

‏{‏مَا كَانَ أَبُوكِ‏}‏ عمران ‏{‏امْرَأَ سَوْءٍ‏}‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ زانيا، ‏{‏وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ‏}‏ حنة ‏{‏بَغِيًّا‏}‏ أي زانية، فمن أين لك هذا الولد‏؟‏

تفسير الآية رقم ‏[‏29‏]‏

‏{‏فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ‏(‏29‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏فَأَشَارَتْ‏}‏ مريم ‏{‏إِلَيْهِ‏}‏ أي إلى عيسى عليه السلام‏:‏ أن كلِّموه‏.‏

قال ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ لما لم تكن لها حجة أشارت إليه ليكون كلامه حجة لها‏.‏

وفي القصة‏:‏ لما أشارت إليه غضب القوم، وقالوا مع ما فعلت تسخرين بنا‏؟‏‏.‏

‏{‏قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا‏}‏ أي‏:‏ من هو في المهد، وهو حجرها‏.‏

وقيل‏:‏ هو المهد بعينه، و‏"‏كان‏"‏ بمعنى‏:‏ هو‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ ‏"‏كان‏"‏ صلة، أي‏:‏ كيف نكلم صبيا في المهد‏.‏ وقد يجيء ‏"‏كان‏"‏ حشوا في الكلام لا معنى له كقوله ‏"‏هل كنت إلا بشرا رسولا‏"‏ ‏(‏الإسراء‏:‏93‏)‏ أي‏:‏ هل أنا‏؟‏

قال السدي‏:‏ فلما سمع عيسى كلامهم ترك الرضاع وأقبل عليهم‏.‏

وقيل‏:‏ لما أشارت إليه ترك الثدي واتكأ على يساره، وأقبل عليهم وجعل يشير بيمينه‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 33‏]‏

‏{‏قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ‏(‏30‏)‏ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ‏(‏31‏)‏ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ‏(‏32‏)‏ وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ‏(‏33‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ‏}‏ وقال وهب‏:‏ أتاها زكريا عند مناظرتها اليهود، فقال لعيسى‏:‏ انطق بحجتك إن كنت أمرت بها، فقال عند ذلك عيسى عليه السلام وهو ابن أربعين يوما- وقال مقاتل‏:‏ بل هو يوم ولد-‏:‏ إني عبد الله أقر على نفسه بالعبودية لله عز وجل أول ما تكلم لئلا يتخذ إلها ‏{‏آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا‏}‏ قيل‏:‏ معناه سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا‏.‏

وقيل‏:‏ هذا إخبار عما كتب له في اللوح المحفوظ، كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ متى كنت نبيا‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد‏"‏‏.‏

وقال الأكثرون أوتي الإنجيل وهو صغير طفل، وكان يعقل عقل الرجال‏.‏

وعن الحسن‏:‏ أنه قال‏:‏ ألهم التوراة وهو في بطن أمه‏.‏ ‏{‏وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ‏}‏ أي نفاعا حيث ما توجهت‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ معلما للخير‏.‏ وقال عطاء‏:‏ أدعو إلى الله وإلى توحيده وعبادته‏.‏ وقيل‏:‏ مباركا على من تبعني‏.‏

‏{‏وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ‏}‏ أي‏:‏ أمرني بهما‏.‏

فإن قيل‏:‏ لم يكن لعيسى مال فكيف يؤمر بالزكاة‏؟‏

قيل‏:‏ معناه بالزكاة لو كان لي مال وقيل‏:‏ بالاستكثار من الخير‏.‏

‏{‏مَا دُمْتُ حَيًّا‏}‏ ‏{‏وَبَرًّا بِوَالِدَتِي‏}‏ أي وجعلني برا بوالدتي، ‏{‏وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا‏}‏ أي عاصيا لربه‏.‏ قيل‏:‏ ‏"‏الشقي‏"‏‏:‏ الذي يذنب ولا يتوب‏.‏ ‏{‏وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ‏}‏ أي‏:‏ السلامة عند الولادة من طعن الشيطان‏.‏ ‏{‏وَيَوْمَ أَمُوتُ‏}‏ أي عند الموت من الشرك، ‏{‏وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا‏}‏ من الأهوال‏.‏ ولما كلمهم عيسى بهذا علموا براءة مريم، ثم سكت عيسى عليه السلام، فلم يتكلم بعد ذلك حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان‏.‏